Publisher: Dar Sanabil, Cairo, Egypt-2008
Number of pages: 206, medium size
الاحتفال بنبى في بدء مشواره الرسالى*
بقلم: محمد القاضى
بعد زمن طويل من مقتل/ صعود المسيح في تلك الجمعة الحزينه (كما يرى مريدوه فى الشرق) أو الجمعة الطيبه (كما يرى مريدوه في الغرب) بدأت جموع "الشعب" شرقا وغربا في الإحتفال بحياة ذاك النبى الإنسان.. بدأ المريدون في تذكر أو نسج الأحداث التى مرت بهم قبل أن يفقدوه من بينهم .. وهكذا "تذكروا" حكاية النجم الذى سطع يوم مولده وقاد المنجمين إلى بلدته "بيت لحم".. وفى فعل آخر مشابه بعد سبعة قرون تذكر مريدو نبى آخر تلك السحابة التى ظهرت في كبد السماء ساعة ظهيرة قائظة لتظلل قافلة من بينها طفل سيصبح نبى آخر فى جزيرة العرب... لو كان المريدون فى الحالتين قد علموا منذ اللحظة الأولى أنه نبى وأزيلت شكوكهم لما كانوا قد ضيعوا لحظة من العمل معه لتنفيذ رسالته... ولكن تجدد الحياة وأزليتها مافتئا يعيدان الكرة مرات و مرات في ميلاد الأنبياء الجدد، وبفرص أفضل من سابقيهم في توصيل الرسالة. و ذلك بفضل توفر أدوات التوثيق لديهم التي مكنت من نشر أفكارهم كتابة وليس شفاهة، و من ثمّّ مكنت من تقييمها بدون تشويهات كهنة بيلاطس فى أرض فلسطين أو عصبة أبو لهب فى جزيرة العرب.
طاف هذا بذهنى وأنا أقرأ الرواية الأولى من مشروع "رسالة" القاص الشاب محمد قسم البارى.
بصفتى المقابلة لأحد عامة 'الشعب' من جموع أورشليم القديمة، أو أحد أقنان مكة السود (لأن اللون لعب دورا هاما في سلم القنانة) في القرن السابع، أود أن أدلو بدلوى في هذا المشروع الرسالى المطروح في روايته الأولى. أقول لو أن الفرصة كانت قد أتيحت وأضطلع المقهورون على نص كامل مدون للرسالة فى حياة مسيحهم العمرانى أو نبيهم القرشى لكانوا قد عملوا معه على إزالة كل اللبس حول العطية لقيصر، أو عتق الرقبة إن كان القصد منها تحرير العبد أم معاقبة المسلم المخطئ، أو لكانوا حسموا الصراع الدموى الدائر حول الناسخ والمنسوخ، والمتن والإسناد.
كتلك السحابة أو ذاك النجم الذى سطع من زمان بعيد تأتى رواية "حيث تكمن الألوان" للشاب محمد قسم البارى المعروف باسم "موديك" فى مجتمع اللاجئين السودانيين بالقاهرة. ذلك المجتمع الصغير الذى خلق منه موديك شخوص هذا العمل الفنى المدهش فى جوانب عديدة. والذى آمل أن يتطور ويلج أغوار أخرى بشكل أكثر عمقا حتي نستطيع أن نقول أن مشروع هذا العمل الرسالى هو منا ومعبرٌ عن أمانينا وليس رسالة من "تال السما" كما غنى فنان المقهورين مصطفى...
محمد قسم البارى "موديك" يكتب عن واقعة الميكرو بشكل عميق ومعبر وأخاذ دون أن ينس ديناميكية الماكرو والتى ينسجها فى غلالة رقيقة حول شخوص حدثه والذين يحركهم ببراعة فى مستويات عديدة من الزمان وداخل المكان.
الرسم، تحديدا بالألوان الزيتية، يلعب دورا رئيسيا فى تظليل أحداث الرواية بشكل أخاذ وساحر. أعترف أنه
جعلنى أهرع إلى الإنترنت لأعيد تصفح لوحات الرسام خالد كودى، مستخدما هذه الرواية كمعجم شارح لألوان كودى الباهرة... لكن الرسم والألوان عند موديك هو تورية كامنة للصراع العنيف الذى يدور داخل ضحايا التعذيب ودور المجتمع فى إعادة تأهيلهم و جذبهم مرة أخرى للخروج من تلك التجربة البشعة الشائهة.
موديك يكتب ببراعة فائقة عن نهج التعذيب المؤلم المستخدم فى معتقلات "نظام الإنقاذ الوطنى" بالسودان منذ 1989.
التعذيب يترك بصماته على الشخصيات الأساسية فى رواية "حيث تكمن الألوان" كخيوط دقيقة من الإحباط والألم النفسى الحاد، والذى تكاد كقارئ أن تشعر به، بل ينتقل إليك لتعيش لحظة الألم حقيقة مع الراوى، بل قد تنتابك لحظات من الندم الحقيقى لسلوك فظ بدر منك أو رأيته يمارس تجاه أحد الخارجين حديثا من "بيوت الأشباح" .. وذلك في تذمر من حالة الإنطواء والعزلة التى يحيط بها الضحية نفسه: "هو قايل نفسه أول أو آخر من يتم إعتقاله.. " سمعتها من أحد الرفاق وهو يتململ من حالة "الزميل" بعد خروجه من بيت أشباح "سيتي بانك". لذا لم يكن غريبا أن يكون التركيز الأساسى لمنظمات ضحايا التعذيب هو إعادة تأهيل الخارجين من هول التجربة وإنقاذهم من الإنهيار النفسى وهو الغرض الأساسى لزبانية التعذيب.
"إحنا عارفين إننا كسرناك وماتقدر تانى تسوى إلا النقوله ليك من هنا ورايح" قالها السافل كلب جهاز الأمن السودانى الرائد عادل عوض وهو يشيعنى بنظرة هازئة لحظة إطلاق سراحى من بيت أشباح سيتى بانك.
"
التعذيب يترك بصماته على الشخصيات الأساسية فى رواية "حيث تكمن الألوان" كخيوط دقيقة من الإحباط والألم النفسى الحاد، والذى تكاد كقارئ أن تشعر به، بل ينتقل إليك لتعيش لحظة الألم حقيقة مع الراوى، بل قد تنتابك لحظات من الندم الحقيقى لسلوك فظ بدر منك أو رأيته يمارس تجاه أحد الخارجين حديثا من "بيوت الأشباح" .. وذلك في تذمر من حالة الإنطواء والعزلة التى يحيط بها الضحية نفسه: "هو قايل نفسه أول أو آخر من يتم إعتقاله.. " سمعتها من أحد الرفاق وهو يتململ من حالة "الزميل" بعد خروجه من بيت أشباح "سيتي بانك". لذا لم يكن غريبا أن يكون التركيز الأساسى لمنظمات ضحايا التعذيب هو إعادة تأهيل الخارجين من هول التجربة وإنقاذهم من الإنهيار النفسى وهو الغرض الأساسى لزبانية التعذيب.
"إحنا عارفين إننا كسرناك وماتقدر تانى تسوى إلا النقوله ليك من هنا ورايح" قالها السافل كلب جهاز الأمن السودانى الرائد عادل عوض وهو يشيعنى بنظرة هازئة لحظة إطلاق سراحى من بيت أشباح سيتى بانك.
"
أوقفوا التعذيب يتوقف الناس عن تفجير أنفسهم" شعار رفعه مركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب بالقاهرة عام 2005 بعد أن قامت شابة بتفجير نفسها وسط الناس في ميدان التحرير إنتقاما لموت خطيبها تحت التعذيب.
"لكل منا ياسر يخصه في هذه الحياة .." يدعونا الراوى/ الكاتب أن نعيد هذا الشخص مرة أخرى للحياة والواقع ليصبح ثانية ذلك الصوت القوى الذى كان قبل أن يلج تجربة الـ "بيوت سيئة السمعة" في وصف بيوت الأشباح على لسان الشهيد على الماحى السخى، والذى مات قبل يومه على قولنا نتيجة للأمراض التى بلى بها بعد تلك التجربة..
"لكل منا ياسر يخصه في هذه الحياة .." يدعونا الراوى/ الكاتب أن نعيد هذا الشخص مرة أخرى للحياة والواقع ليصبح ثانية ذلك الصوت القوى الذى كان قبل أن يلج تجربة الـ "بيوت سيئة السمعة" في وصف بيوت الأشباح على لسان الشهيد على الماحى السخى، والذى مات قبل يومه على قولنا نتيجة للأمراض التى بلى بها بعد تلك التجربة..
وموديك تماما كشيخه الكاتب المصرى رؤوف مسعد فى أول أعماله بيضة النعامة، يصيح فينا بغضب من خلال روايته "المعتقل تجربة هدامة"، وكأنه يذكرنا بذاك المهندس الوديع الذى ذاق الأهوال فى أحد نلك البيوت فخرج غائبا عن الوعى ليقتل أهل داره. وكأن موديك يذكرنا بذلك القروى الوديع الذى رأينا الذهول فى عينيه، ثم في تحوله الى شبح من الأشباح مثلنا داخل بيت سيتى بانك، حيث لم يتحمل عقله وجسده جرعات الألم فحاول ذبح نفسه مستخدما مخرطة الملوخية... صيحة موديك تذكرنا بالتاجر الذى أدخل ذلك الجب لتصفية حساب مع شركاء التجارة وبعد أن ذاق الأمرين أقسم أن يؤجر أحد القتلة لينتقم ليس من الزبانية بل من أطفالهم ... تجربة التعذيب تذكرنا بانتحار الشاب الأريترى قفزا من سطوح عمارة جهاز الأمن لتفادى المزيد من التعذيب البطئ بلا نهاية ...
لقد كنت محقا يا "موديك" فى فضحك وتعريتك لمدعى النضال الذين وصفوا التعذيب بأنه تجربة ثرية فى مسيرة نضالهم الموهوم..
سيذكرنا التعذيب من خلال قراءتنا لمثل هذه الرواية بخيبة الأمل فى الإسلاميين وبقية دعاة العنف الدينى عامة. لقد غاب عنهم الدمار النفسى الذى لحق بخطيبة المعلم التى فجرت نفسها فى قلب القاهرة. لقد رأوا فى ذلك بطولة وإنتقام لزملائهم المعتقلين فى أقبية عمارة لاظوغلى البشعة وغيرها من بيوت أشباح "النظام المصرى ". الإسلاميون المصريون بأنانيتهم ولا إنسانيتهم، لم يذكرهم التفجير لأن يتوقفوا لحظة ليعملوا على وقف التعذيب الممارس من قبل رفاقهم "إخوانهم" فى بيوت الأشباح بالسودان، وكل بلد آخر يقع تحت قبضتهم من جبال أفغانستان للجزائر والسودان.
حماسى الزائد بهذا الكتاب ليس ناتجا من أنه نسيج لوحده (كمثل رواية أحوال المحارب القديم للحسن البكرى)، بل لكشفه الإمكانات الضخمة التى "تكمن" داخل ذلك القلم الشاب والذى ينتظره، في اعتقادي، مستقبلٌ حافلٌ بالابداع والإنتاج .
حماسى الزائد بهذا الكتاب ليس ناتجا من أنه نسيج لوحده (كمثل رواية أحوال المحارب القديم للحسن البكرى)، بل لكشفه الإمكانات الضخمة التى "تكمن" داخل ذلك القلم الشاب والذى ينتظره، في اعتقادي، مستقبلٌ حافلٌ بالابداع والإنتاج .
كقارء وناشط حقوقى أود أن أرى المزيد من أعمال موديك القادمة التي تسلط الضوء على جرائم أخرى من جرائم التعذيب، خاصة مذبحة العيلفون التى ظل شبحها يظلل الرواية من خلال شخصية جبريل والذى يعانى أكثر بصفة خاصة بسبب انتمائه العرقي كأحد أبناء الهامش مما جعله يطلق صيحته الداوية "لقد كان خطأ كونيا أن أولد سودانيا".
أود أن أرى ايضاً، بل أنتظر بترقب، أن يوثق لنا هذا الروائى الواعد مجتمعات اللاجئين فى المنفى من زوايا عديدة بقلمه الناقد، خاصة فى مجال تقوقعنا حول ذاتنا ونسياننا للواقع الذى أصبح وطننا الجديد وما يوجبه علينا من مسؤولية أخلاقية تجاه قضاياه.
أود أن أرى ايضاً، بل أنتظر بترقب، أن يوثق لنا هذا الروائى الواعد مجتمعات اللاجئين فى المنفى من زوايا عديدة بقلمه الناقد، خاصة فى مجال تقوقعنا حول ذاتنا ونسياننا للواقع الذى أصبح وطننا الجديد وما يوجبه علينا من مسؤولية أخلاقية تجاه قضاياه.
أود أن أرى، كذلك، قلم موديك يشخص ويربط أزمة الهوية السودانية من خلال إنفصالنا المشين عن مجتمع الأمريكان الافارقة، كيف أن العديد منا – نحن اللاجئين – يشعر براحة أكثر فى التعامل مع الأمريكى الأبيض عن الأسود .. نحن الذين أتيحت لنا فرص النجاة والأمن لجوءاً فقط كنتيجة لنضالات ومعاناة الامريكان السود لأكثر من 400 عام مضت لاجل ان ينتزعوا حق المواطنة..
آمل أن أرى شخصية "كيشيا" فى الرواية تأخذ دورا أكبر وأكثر إيجابية ليتوازى ذلك مع الدور الايجابي الرائع الذي يقوم به في الواقع بعض قادة الامريكان الافارقة من امثال د.مهدى بن زياد، بلانش فوستر، و د.جلوريا وايت -هاموند ، بيل فليتشر، وصالح بووكر، الذين كان لهم الفضل في ان تظل قضية دارفور على أجندة الحركة الحقوقية فى الولايات المتحدة بشكلٍ ثابت.
الكاتب والناشر السودانى حيدر إبراهيم إندهش في تقديمه لكتيب سيكولوجية التعذيب فى السودان من أن يرى باحثا شابا يوجه جل جهوده الأكاديمية لدراسة تلك الظاهرة. لن يندهش حيدر كثيرا حين يعلم أن كاتبنا موديك ذو الواحد و العشرين ربيعا كان صبيا يافعا حين كتب حيدر مقدمتة لذلك الكتاب. كان موديك يعيش التعذيب اليومى قولا وفعلا حين ردد الأغانى الجهادية بأعلى صوته في طابور المدرسة الصباحى، وحين صاح "الله أكبر، كلما جاء ذكر لحرب الجنوب فى الإذاعة المدرسية" وحين أرسل أهل بيته وجيرانه لبيوت الأشباح ورأى الشرخ الذى تركته التجربة فيهم ..
لقد حق لنا أن نحتفل بهذا العمل وهذا "النبى" القادم من بيننا ، بالطبع، لا من تال السما.....
________
لقد حق لنا أن نحتفل بهذا العمل وهذا "النبى" القادم من بيننا ، بالطبع، لا من تال السما.....
________
* This article was published in Sudanile on 08 January, 2009
How can I get this Novel ?
ReplyDeleteلناشر: دار سنابل / القاهرة، جمهورية مصر.
DeletePublisher: Dar Sanabil, Cairo, Egypt-2008
قرأت هذا العمل الجميل منذ سنوات قليلة وهو كما كاتبه جدير بان نحتفي به. أشكرك أخي محمد القاضي على هذا التحليل العميق. محبتي لكليكما.
ReplyDeleteبوعسل أبوعسل
Thanks ya azizi Abu Assal....
Delete