Thursday, March 26, 2009

حيث تكمن الألوان..... والروعة

photo source: www.rayaam.info/spsection.aspx?pid=313&sec=17

Article original source: http://www.alsudani.info/index.php?type=3&id=2147541638
image source: www.rayaam.info


محمد المهدي بشرى


كالعهد به تحنن علىّ أخي نور الهدي محمد نور الهدى صاحب دار عزة وأهداني رواية طازجة ساخنة قادمة لتوها من مطابع القاهرة، وهي رواية (حيث تكمن الألوان) لكاتبها المؤلف الشاب محمد قسم الباري مصطفي، والمؤلف كما عرفت من الأستاذ نور الهدي تجاوز العقد الثاني بقليل، ولابد أنه كذلك لأنني أعرف والده وأسرته الكبيرة التي نشأت وترعرعت في حي العمدة في أم درمان، وخاله هو الشاعر والمترجم محمد المهدي عبد الوهاب صديق حبيب إلى القلب. وعلى الرغم من صغر سنه إلاّ أن محمد قسم الباري كتب رواية شيقة وممتعة تقوم على بناء سردي متماسك ومضمون الرواية على درجة من العمق يصعب الإمساك به من أول وهلة، فالكاتب يتلاعب بمستويات السرد ويعتمد على أكثر من راوٍ مما يصعب مهمة القارئ المتعجل. والرواية تدور بين فضاءين: حي البوستة في أم درمان وفيلادلفيا في الولايات المتحدة، فقد نشأ الراوي أو بالأحرى الراوي الأساسي في حي البوستة في مدينة أم درمان ولكنه هاجر بشخصية أخرى هي شخصية شقيقه ياسر إلى الولايات المتحدة ويمكن القول إن ياسر هو البطل الحقيقي للرواية. بينما الراوي شخصية ثانوية، وبالطبع يذكرنا هنا بمعضلة من هو الراوي في (موسم الهجرة إلى الشمال) وعلى الرغم من صعوبة تقنية السرد بمستويات عدة وعلى لسان العديد من الرواة إلاّ أنه يمكن القول إن الكاتب الروائي الناشئ محمد قسم الباري نجح إلى حد كبير وأنجز رواية على درجة من الإمتاع والقوة، حتى أنه من الصعب على المرء أن يصدق أن هذا هو العمل الأول لكاتبه.
تبدأ الرواية على لسان الراوي الرئيسي قائلاً: " قتلت أخي ليلة البارحة، ولم يكن ذلك مجرد كابوس، لأنني لم أنم حتى الفجر، فقد دفنته بينما الصباح يرسل أشعته الأولى، وضعت رفاته في قبر عادي ثم أهلت عليه التراب". وهكذا منذ البداية يستهل الكاتب نصه استهلالاً قوياً مفعماً بالإيحاء ومنفتحاً على الكثير من الأسئلة التي تجذب القارئ لإمساك خيوط الرواية ومتابعة أحداثها وهو يلهث.
تدور أحداث هذا الجزء من الرواية في فيلادلفيا حيث تضع الأقدار مأساة شاب سوداني لاجئ في طريق الراوي فتتشابك أقدارهما، وهكذا تمضي الرواية تبحث في مصائر شبان ثلاثة في ريعان الشباب. وتنتهي الرواية وقد عاد الراوي الرئيسي إلى أهله ووطنه ومنزله في أم درمان. وهذا تلخيص موجز لأهم أحداث الرواية وهي تحكي مصائر شباب التسعينيات الذين كانوا وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ولا شك أن موضوع الحرب ومآلاتها سيظل الموضوع الشاغل لهؤلاء الشباب خاصة أولئك الذين عاشوا أهوال الحرب، ورواية (حيث تكمن الألوان) تقترب كثيراً في أحداثها وأفكارها مع رواية مهمة أخري هي رواية (عواصف استوائية) لكاتبها عبد الرحمن فضل، وكنت قد كتبت عنها قبل شهور خلت بالملحق الثقافي لصحيفة الرأي العام ويمكن كذلك الإشارة إلى كتابات في القصة القصيرة تتناول الأحداث على خلفية الحرب. مثل قصص ستيلا قاتيانو.
علي كلٍ كتبت رواية (حيث تكمن الألوان) بلغة على درجة من العذوبة، وتكاد تخلو من الأخطاء النحوية إلاّ فيما ندر، فمثلاً نقرأ وصف الراوي لمدينة القاهرة التي قضي بها ردحاً من الزمان "لا مكان للحقيقة في تلك المدينة القاسية، قد يسقط المبني حيث أعيش بسبب الأسمنت المغشوش، قد ترى البناية من الخارج منتصبة للعيان لكنها تقف على الرمال والطلاء فقط. وحافلات الركاب التي تعبر المدينة وتوصلني إلى مبتغاي في لمح البصر، قد يكون سائقها بارعاً في القيادة لكنه يستصبح كل يوم بلفافة بنقو". وفي مرات كثيرة تبلغ لغة النص مرافئ بعيدة من الروعة، بالطبع لا تخلو الرواية من بعض الهنات هنا وهناك، وجميع هذا مما يكمن فهمه من نص هو الأول لكاتب، مهما يكن من أمر إن الإبداع السوداني علي موعد مع روائي يملأ الفراغ الذي تركه كبار الروائيين وأخرهم الراحل الطيب صالح.

التاريخ:2/3/2009م

Wednesday, January 14, 2009

قراءة في رواية "حيث تكمن الألوان"

الناشر: دار سنابل / القاهرة، جمهورية مصر.
Publisher: Dar Sanabil, Cairo, Egypt-2008
Number of pages: 206, medium size


الاحتفال بنبى في بدء مشواره الرسالى*
بقلم: محمد القاضى

بعد زمن طويل من مقتل/ صعود المسيح في تلك الجمعة الحزينه (كما يرى مريدوه فى الشرق) أو الجمعة الطيبه (كما يرى مريدوه في الغرب) بدأت جموع "الشعب" شرقا وغربا في الإحتفال بحياة ذاك النبى الإنسان.. بدأ المريدون في تذكر أو نسج الأحداث التى مرت بهم قبل أن يفقدوه من بينهم .. وهكذا "تذكروا" حكاية النجم الذى سطع يوم مولده وقاد المنجمين إلى بلدته "بيت لحم".. وفى فعل آخر مشابه بعد سبعة قرون تذكر مريدو نبى آخر تلك السحابة التى ظهرت في كبد السماء ساعة ظهيرة قائظة لتظلل قافلة من بينها طفل سيصبح نبى آخر فى جزيرة العرب... لو كان المريدون فى الحالتين قد علموا منذ اللحظة الأولى أنه نبى وأزيلت شكوكهم لما كانوا قد ضيعوا لحظة من العمل معه لتنفيذ رسالته... ولكن تجدد الحياة وأزليتها مافتئا يعيدان الكرة مرات و مرات في ميلاد الأنبياء الجدد، وبفرص أفضل من سابقيهم في توصيل الرسالة. و ذلك بفضل توفر أدوات التوثيق لديهم التي مكنت من نشر أفكارهم كتابة وليس شفاهة، و من ثمّّ مكنت من تقييمها بدون تشويهات كهنة بيلاطس فى أرض فلسطين أو عصبة أبو لهب فى جزيرة العرب.

طاف هذا بذهنى وأنا أقرأ الرواية الأولى من مشروع "رسالة" القاص الشاب محمد قسم البارى.
بصفتى المقابلة لأحد عامة 'الشعب' من جموع أورشليم القديمة، أو أحد أقنان مكة السود (لأن اللون لعب دورا هاما في سلم القنانة) في القرن السابع، أود أن أدلو بدلوى في هذا المشروع الرسالى المطروح في روايته الأولى. أقول لو أن الفرصة كانت قد أتيحت وأضطلع المقهورون على نص كامل مدون للرسالة فى حياة مسيحهم العمرانى أو نبيهم القرشى لكانوا قد عملوا معه على إزالة كل اللبس حول العطية لقيصر، أو عتق الرقبة إن كان القصد منها تحرير العبد أم معاقبة المسلم المخطئ، أو لكانوا حسموا الصراع الدموى الدائر حول الناسخ والمنسوخ، والمتن والإسناد.

كتلك السحابة أو ذاك النجم الذى سطع من زمان بعيد تأتى رواية "حيث تكمن الألوان" للشاب محمد قسم البارى المعروف باسم "موديك" فى مجتمع اللاجئين السودانيين بالقاهرة. ذلك المجتمع الصغير الذى خلق منه موديك شخوص هذا العمل الفنى المدهش فى جوانب عديدة. والذى آمل أن يتطور ويلج أغوار أخرى بشكل أكثر عمقا حتي نستطيع أن نقول أن مشروع هذا العمل الرسالى هو منا ومعبرٌ عن أمانينا وليس رسالة من "تال السما" كما غنى فنان المقهورين مصطفى...

محمد قسم البارى "موديك" يكتب عن واقعة الميكرو بشكل عميق ومعبر وأخاذ دون أن ينس ديناميكية الماكرو والتى ينسجها فى غلالة رقيقة حول شخوص حدثه والذين يحركهم ببراعة فى مستويات عديدة من الزمان وداخل المكان.
الرسم، تحديدا بالألوان الزيتية، يلعب دورا رئيسيا فى تظليل أحداث الرواية بشكل أخاذ وساحر. أعترف أنه
جعلنى أهرع إلى الإنترنت لأعيد تصفح لوحات الرسام خالد كودى، مستخدما هذه الرواية كمعجم شارح لألوان كودى الباهرة... لكن الرسم والألوان عند موديك هو تورية كامنة للصراع العنيف الذى يدور داخل ضحايا التعذيب ودور المجتمع فى إعادة تأهيلهم و جذبهم مرة أخرى للخروج من تلك التجربة البشعة الشائهة.
موديك يكتب ببراعة فائقة عن نهج التعذيب المؤلم المستخدم فى معتقلات "نظام الإنقاذ الوطنى" بالسودان منذ 1989.
التعذيب يترك بصماته على الشخصيات الأساسية فى رواية "حيث تكمن الألوان" كخيوط دقيقة من الإحباط والألم النفسى الحاد، والذى تكاد كقارئ أن تشعر به، بل ينتقل إليك لتعيش لحظة الألم حقيقة مع الراوى، بل قد تنتابك لحظات من الندم الحقيقى لسلوك فظ بدر منك أو رأيته يمارس تجاه أحد الخارجين حديثا من "بيوت الأشباح" .. وذلك في تذمر من حالة الإنطواء والعزلة التى يحيط بها الضحية نفسه: "هو قايل نفسه أول أو آخر من يتم إعتقاله.. " سمعتها من أحد الرفاق وهو يتململ من حالة "الزميل" بعد خروجه من بيت أشباح "سيتي بانك". لذا لم يكن غريبا أن يكون التركيز الأساسى لمنظمات ضحايا التعذيب هو إعادة تأهيل الخارجين من هول التجربة وإنقاذهم من الإنهيار النفسى وهو الغرض الأساسى لزبانية التعذيب.
"إحنا عارفين إننا كسرناك وماتقدر تانى تسوى إلا النقوله ليك من هنا ورايح" قالها السافل كلب جهاز الأمن السودانى الرائد عادل عوض وهو يشيعنى بنظرة هازئة لحظة إطلاق سراحى من بيت أشباح سيتى بانك.
"
أوقفوا التعذيب يتوقف الناس عن تفجير أنفسهم" شعار رفعه مركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب بالقاهرة عام 2005 بعد أن قامت شابة بتفجير نفسها وسط الناس في ميدان التحرير إنتقاما لموت خطيبها تحت التعذيب.
"لكل منا ياسر يخصه في هذه الحياة .." يدعونا الراوى/ الكاتب أن نعيد هذا الشخص مرة أخرى للحياة والواقع ليصبح ثانية ذلك الصوت القوى الذى كان قبل أن يلج تجربة الـ "بيوت سيئة السمعة" في وصف بيوت الأشباح على لسان الشهيد على الماحى السخى، والذى مات قبل يومه على قولنا نتيجة للأمراض التى بلى بها بعد تلك التجربة..

وموديك تماما كشيخه الكاتب المصرى رؤوف مسعد فى أول أعماله بيضة النعامة، يصيح فينا بغضب من خلال روايته "المعتقل تجربة هدامة"، وكأنه يذكرنا بذاك المهندس الوديع الذى ذاق الأهوال فى أحد نلك البيوت فخرج غائبا عن الوعى ليقتل أهل داره. وكأن موديك يذكرنا بذلك القروى الوديع الذى رأينا الذهول فى عينيه، ثم في تحوله الى شبح من الأشباح مثلنا داخل بيت سيتى بانك، حيث لم يتحمل عقله وجسده جرعات الألم فحاول ذبح نفسه مستخدما مخرطة الملوخية... صيحة موديك تذكرنا بالتاجر الذى أدخل ذلك الجب لتصفية حساب مع شركاء التجارة وبعد أن ذاق الأمرين أقسم أن يؤجر أحد القتلة لينتقم ليس من الزبانية بل من أطفالهم ... تجربة التعذيب تذكرنا بانتحار الشاب الأريترى قفزا من سطوح عمارة جهاز الأمن لتفادى المزيد من التعذيب البطئ بلا نهاية ...
لقد كنت محقا يا "موديك" فى فضحك وتعريتك لمدعى النضال الذين وصفوا التعذيب بأنه تجربة ثرية فى مسيرة نضالهم الموهوم..
سيذكرنا التعذيب من خلال قراءتنا لمثل هذه الرواية بخيبة الأمل فى الإسلاميين وبقية دعاة العنف الدينى عامة. لقد غاب عنهم الدمار النفسى الذى لحق بخطيبة المعلم التى فجرت نفسها فى قلب القاهرة. لقد رأوا فى ذلك بطولة وإنتقام لزملائهم المعتقلين فى أقبية عمارة لاظوغلى البشعة وغيرها من بيوت أشباح "النظام المصرى ". الإسلاميون المصريون بأنانيتهم ولا إنسانيتهم، لم يذكرهم التفجير لأن يتوقفوا لحظة ليعملوا على وقف التعذيب الممارس من قبل رفاقهم "إخوانهم" فى بيوت الأشباح بالسودان، وكل بلد آخر يقع تحت قبضتهم من جبال أفغانستان للجزائر والسودان.
حماسى الزائد بهذا الكتاب ليس ناتجا من أنه نسيج لوحده (كمثل رواية أحوال المحارب القديم للحسن البكرى)، بل لكشفه الإمكانات الضخمة التى "تكمن" داخل ذلك القلم الشاب والذى ينتظره، في اعتقادي، مستقبلٌ حافلٌ بالابداع والإنتاج .
كقارء وناشط حقوقى أود أن أرى المزيد من أعمال موديك القادمة التي تسلط الضوء على جرائم أخرى من جرائم التعذيب، خاصة مذبحة العيلفون التى ظل شبحها يظلل الرواية من خلال شخصية جبريل والذى يعانى أكثر بصفة خاصة بسبب انتمائه العرقي كأحد أبناء الهامش مما جعله يطلق صيحته الداوية "لقد كان خطأ كونيا أن أولد سودانيا".
أود أن أرى ايضاً، بل أنتظر بترقب، أن يوثق لنا هذا الروائى الواعد مجتمعات اللاجئين فى المنفى من زوايا عديدة بقلمه الناقد، خاصة فى مجال تقوقعنا حول ذاتنا ونسياننا للواقع الذى أصبح وطننا الجديد وما يوجبه علينا من مسؤولية أخلاقية تجاه قضاياه.

أود أن أرى، كذلك، قلم موديك يشخص ويربط أزمة الهوية السودانية من خلال إنفصالنا المشين عن مجتمع الأمريكان الافارقة، كيف أن العديد منا – نحن اللاجئين – يشعر براحة أكثر فى التعامل مع الأمريكى الأبيض عن الأسود .. نحن الذين أتيحت لنا فرص النجاة والأمن لجوءاً فقط كنتيجة لنضالات ومعاناة الامريكان السود لأكثر من 400 عام مضت لاجل ان ينتزعوا حق المواطنة..
آمل أن أرى شخصية "كيشيا" فى الرواية تأخذ دورا أكبر وأكثر إيجابية ليتوازى ذلك مع الدور الايجابي الرائع الذي يقوم به في الواقع بعض قادة الامريكان الافارقة من امثال د.مهدى بن زياد، بلانش فوستر، و د.جلوريا وايت -هاموند ، بيل فليتشر، وصالح بووكر، الذين كان لهم الفضل في ان تظل قضية دارفور على أجندة الحركة الحقوقية فى الولايات المتحدة بشكلٍ ثابت.
الكاتب والناشر السودانى حيدر إبراهيم إندهش في تقديمه لكتيب سيكولوجية التعذيب فى السودان من أن يرى باحثا شابا يوجه جل جهوده الأكاديمية لدراسة تلك الظاهرة. لن يندهش حيدر كثيرا حين يعلم أن كاتبنا موديك ذو الواحد و العشرين ربيعا كان صبيا يافعا حين كتب حيدر مقدمتة لذلك الكتاب. كان موديك يعيش التعذيب اليومى قولا وفعلا حين ردد الأغانى الجهادية بأعلى صوته في طابور المدرسة الصباحى، وحين صاح "الله أكبر، كلما جاء ذكر لحرب الجنوب فى الإذاعة المدرسية" وحين أرسل أهل بيته وجيرانه لبيوت الأشباح ورأى الشرخ الذى تركته التجربة فيهم ..
لقد حق لنا أن نحتفل بهذا العمل وهذا "النبى" القادم من بيننا ، بالطبع، لا من تال السما.....
________
* This article was published in Sudanile on 08 January, 2009